الجصاص

408

أحكام القرآن

قوله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) . روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء في قوله : ( إلا ما ظهر منها ) قال : " ما كان في الوجه والكف ، الخضاب والكحل " ، وعن ابن عمر مثله ، وكذلك عن أنس . وروي عن ابن عباس أيضا : " أنها الكف والوجه والخاتم " . وقالت عائشة : " الزينة الظاهرة : القلب والفتخة " . وقال أبو عبيدة : " الفتخة ، الخاتم " . وقال الحسن : " وجهها وما ظهر من ثيابها " . وقال سعيد بن المسيب : " وجهها مما ظهر منها " . وروى أبو الأحوص عن عبد الله قال : " الزينة زينتان : زينة باطنة لا يراها إلا الزوج الإكليل والسوار والخاتم ، وأما الظاهرة فالثياب " . وقال إبراهيم : " الزينة الظاهرة الثياب " . قال أبو بكر : قوله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) إنما أراد به الأجنبيين دون الزوج وذوي المحارم ، لأنه قد بين في نسق التلاوة حكم ذوي المحارم في ذلك . وقال أصحابنا : المراد الوجه والكفان لأن الكحل زينة الوجه والخضاب والخاتم زينة الكف ، فإذ قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف فقد اقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر إلى الوجه والكفين . ويدل على أن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة أيضا أنها تصلي مكشوفة الوجه واليدين ، فلو كانا عورة لكان عليها سترهما كما عليها ستر ما هو عورة ، وإذا كان كذلك جاز للأجنبي أن ينظر من المرأة إلى وجهها ويديها بغير شهوة ، فإن كان يشتهيها إذا نظر إليها جاز أن ينظر لعذر مثل أن يريد تزويجها أو الشهادة عليها أو حاكم يريد أن يسمع إقرارها . ويدل على أنه لا يجوز له النظر إلى الوجه لشهوة قوله صلى الله عليه وسلم لعلي : " لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الآخرة " ، وسأل جرير رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة فقال : " اصرف بصرك " ولم يفرق بين الوجه وغيره ، فدل على أنه أراد النظرة بشهوة ، وإنما قال : " لك الأولى " لأنها ضرورة : " وليس لك الآخرة " لأنها اختيار . وإنما أباحوا النظر إلى الوجه والكفين وإن خاف أن يشتهي لما ذكرنا من الأعذار للآثار الواردة في ذلك ، منها : ما روى أبو هريرة أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال ، له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا " يعني الصغر . وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا خطب أحدكم فقدر على أن يرى منها ما يعجبه ويدعوه إليها فليفعل " . وروى موسى بن عبد الله بن يزيد عن أبي حميد وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة " . وروى سليمان بن أبي حثمة عن محمد بن سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . وروى عاصم الأحول عن بكير بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة قال : خطبنا امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " نظرت إليها ؟ " فقلت : لا ، فقال : " انظر فإنه لأجدر أن يؤدم بينكما " . فهذا